ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
62
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
وسأوضح ذلك فأقول : أما قولنا عن مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تنثى فلتأته » فإن مفهوم هذا اللفظ أنه كان هناك فلتات إلا أنها تطوى ولا تنشر ، وتكتم ولا تذاع ، ولا يفهم منه أنه لم يكن هناك فلتات إلا بقرينة خارجة عن اللف ، وهي أنه قد ثبت في النفوس ، وتقرر عند العقول ، أن مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منزّه عن فلتات تكون به ، وهو أكرم من ذلك وأوقر ؛ فلما قيل : « إنه لا تنثى فلتأته » فهمنا منه أنه لم يكن هناك فلتات أصلا ، وأما قول القائل : ولا ترى الضّبّ بها ينجحر فإنه لا قرينة تخصصه حتى يفهم منه ما فهم من الأول ، بل المفهوم أنه كان هناك ضبّ ولكنه غير منجحر . ولقد مكثت زمانا أطوف على أقوال الشعراء قصدا للظفر بأمثلة من الشعر جارية هذا المجرى فلم أجد إلا بيتا لامرئ القيس « 1 » ، وهو : على لاحب لا يهتدى لمناره * إذا سافه العود الدّيافيّ جرجرا « 2 » فقوله « لا يهتدي لمناره » أي : أن له منارا إلا أنه لا يهتدي به ، وليس المراد ذلك ، بل المراد أنه لا منار له يهتدي به . ولي أنا في هذا بيت من الشعر ، وهو : أدنين جلباب الحياء فلن يرى * لذيولهنّ على الطّريق غبار وظاهر هذا الكلام أن هؤلاء النساء يمشين هونا لحيائهن فلا يظهر لذيولهن غبار على
--> ( 1 ) من قصيدة له مطلعها : خليليّ مرّا بي على أمّ جندب * لنقضي حاجات الفؤاد المعذّب ( 2 ) اللاحب : الطريق الواضح ، والمنار : اسم جنس جمعي ، واحده منارة ، وسافه : - بالفاء - شمه ، ووقع في ج ، ب « ساقه » بالقاف ، وهو تحريف ، والعود - بفتح العين المهملة وسكون الواو - البعير الهرم ، والديافي - بكسر الدال المهملة بعدها ياء - المنسوب إلى دياف ، وهي قرية بالشام ، ويقال : بالجزيرة ، ووقع في ب ، ج ، « النياطي » وجرجر : ردد صوته .